وهبة الزحيلي
219
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وإذا فسّر قوله تعالى : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ : لَسْتَ مُؤْمِناً بالتّحية ، فلا مانع أيضا ؛ لأن سلامه بتحيّة الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده ، ويحتمل أن يراد به الانحياز والتّرك . فإن قال : سلام عليكم ، فلا ينبغي أن يقتل أيضا حتى يعلم ما وراء هذا ؛ لأنه موضع إشكال . ولا يكفي في رأي مالك أن يقول : أنا مسلم أو أنا مؤمن ، أو أن يصلّي ، حتى يتكلّم بالكلمة العاصمة التي علّق النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم الحكم بها عليه في قوله : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا اللّه » « 1 » . أي أن الكلمة الفاصلة بعد التحية بالسّلام أو برؤيته يصلي هو أن يقول : لا إله إلا اللّه . وهذا في شأن إنهاء الحرب ومنع القتل والقتال ، فيكتفى بالحكم بالظاهر ، وليس في قضية أن الإيمان هو الإقرار فقط ، كما حاول بعضهم الاستدلال بالآية ، وإنما حقيقة الإيمان : التّصديق بالقلب ، بدليل أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول : « لا إله إلا اللّه » وليسوا بمؤمنين . وفي الآية نصّ صريح على أن هدف المؤمنين من الجهاد كما شرع اللّه هو إعلاء كلمة اللّه تعالى ، لا من أجل التّوصل إلى المغانم الحربية أو العروض الدّنيوية أو المكاسب المادية ، فإن اللّه وعد بالرّزق والمغانم الكثيرة من طرق أخرى حلال دون ارتكاب محظور ، فلا تتهافتوا .
--> ( 1 ) المرجع السابق : 5 / 339 ، أحكام القرآن لابن العربي : 1 / 481 وما بعدها .